مناخات الستّينات الحزينة... المغرب

مناخات الستّينات الحزينة... المغرب

نحن في 1963، كان الحسن الثاني لايزال شابا، وكان يشعر بشكل حاد بان حكمه يعاني من ازمة شرعية، نظرا لوجود قامات كبرى من حوله لها تاريخ طويل من النضال من اجل الاستقلال، مثل الفقيه البصري وبن بركة وشيخ العرب (الاسم الحركي لاحمد اقوليز) ومهدي العلوي. لذلك لايمكن لهذا الملك الشاب ان يستتب له الامر بدون تحييد هذه النسور الضخمة التي تحوم على سماء المغرب والتي يبدو الملك بجانبها بلاتاريخ. كانت "مؤامرة" 1960 سيئة الاخراج ولم يجلب منها الملك الشاب اي تعاطف داخلي، اما "محاولة الاغتيال" لسنة 1963 فقصة اخرى: اغلب المتهمين لهم صيت عالمي: المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، الفقيه البصري والمهدي علوي صديق "مورياك" و"سارتر". كانت الضربة موجّهة الي حزب الاستقلال، اقدم الاحزاب واقواها في المغرب في ذلك الحين، و"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، الذي خرج منه سنة 1959



بدات المحاكمات في 28 ديسمبر 1963 وقرا المدعي العام تفاصيل المؤامرة على جمهور المحكمة وعلى الصحافة العالمية: "تتمثل المؤامرة في اغتيال الملك في قصره وكذلك اغتيال رضا غديرة وزير الداخلية والجنرال اوفقير. العملية يقوم بها فريقان منفصلان تحت قيادة شيخ العرب والفقيه البصري، وفي نفس الوقت يعمل المهدي بن بركة وعبد الرحمان اليوسفي اشعال انتفاضة داخل المغرب، وهكذا يتم الانقلاب". كان فريق الدفاع متكون من محامين ذوي اوزان ثقيلة مثل "زيجال حليمي" وغيرها، اما النظام المغربي فقد كان يمسك باقوى حلقة في ملف الادعاء: مومن دويري. شاب في مُقتبل العمر وقع انهاكه بالتعذيب على يد الرهيب الجنرال اوفقير، ثم حُمل الي منزل فاخر وعولج، وعده اوفقير بان لا تتجاوز مدة سجنه الستة اشهر كما وعده بمستقبل باهر، لذلك امضى على "اعترافات" في عشرين صفحة، واحتياطا لكل طارئ، امضى على ورقة بيضاء. ككل المؤامرات الافريقية في الستينات لابد من سلاح، لذلك حُمل المسكين الي ضيعة من طرف سيارة عسكرية مُحمّلة بالسلاح. انزل السلاح وحفر هو وصاحب الضيعة حفرة ووضعوا السلاح وقاموا بتصوير مومن دويري مع اسلحته. ثم حضع لعملية حفظ لما سيقوله من طرف المدعي العام مجيد بن جلون. كان مومن دويري فعلا سلاحا فتّاكا في عملية الاتهام.

ثم جاء يوم الفصل: فُتحت الجلسة من طرف القاضي الطيب شرفي، والاذاعة والتلفزة المغربية تنقل على المباشر، وجيئ بالمتهم الاول السيد مومن دويري: شاب في التاسعة والعشرين، وجه شاحب وجسد منهك من التعذيب، وقف اما القاضي، وبصوت مبحوح هو اقرب الي البكاء خاطب القاضي "سيدي الرئيس، ليس هناك مؤامرة ضد جلالة الملك، هناك مؤامرة من البوليس ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" "في ما يخص "الاعترافات لم يكن لي خيار، كنت امام الموت بالتعذيب او الامضاء على ما كتبوه"، ثم خلع ثيابه امام القاضي والمحامين والصحافة العالمية وظهرت الندوب على ظهره.

-حكم بالاعدام على مومن دويري، ثم حصل على عفو من الملك، ثم هاجر لاوروبا وتزوج من فرنسية وانجب طفلين، توفي في 2012، وحكم بالاعدام غيابيا على شيخ العرب، الذي سوف يُقتل فيما بعد على يد اوفقير، اما المهدي بن بركه فقصته شهيرة.



-من يريد الدخول الي العوالم الشمال افريقية الحزينة في الستينات، و"مؤامراتها" و"اغتيالاتها" المفبركة عليه ب"صديقنا الملك". هذه القصص الحزينة لاتوجد الا في المناخات السياسية المتخلفة حين تعاني السلطة من مشكل الاعتراف وحين لا تتاسس على شرعية قانونية وانما على مشروعية مزعومة، سواء كانت مشروعية ثورية او نضالية او عائلية.